تجلّي عظمة مدرسة لكهنو في رحلة صاحب «الغدير» إلى الهند
رواية العلامة الأميني التاريخية وثناؤه على كنوز المكتبة الناصرية
الملخص
في سنة ١٣٨٠هـ، سافر العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني (قدّس سرّه)، صاحب موسوعة *الغدير* الفريدة، في رحلة استمرت أربعة أشهر إلى شبه القارة الهندية. وكان الهدف الأساس من هذه الرحلة التاريخية الوصول إلى المصادر القديمة والأصيلة لدى الفريقين، واستنساخ الوثائق النادرة لإكمال مجلدات *الغدير* وتجهيز مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الأشرف. وكانت المحطة الأبرز في هذه الرحلة إقامة العلامة شهراً كاملاً في مدينة لكهنو، وما حظي به من استضافة ومرافقة حميمة من أسرة «عبقات»، وما أبداه صاحب *الغدير* من دهشة لا توصف أمام كنوز «المكتبة الناصرية» الفريدة؛ وهو حدث خلّد الصلة بين مركزين كبيرين للدفاع عن حريم الإمامة في النجف الأشرف ولكهنو.
خلفيات الرحلة إلى شبه القارة الهندية ودوافعها
كان البحث والاستقصاء المتواصل عن وثائق الولاية واحداً من أبرز جوانب الحياة العلمية للعلامة عبد الحسين الأميني (قدّس سرّه). ففي أواخر عمره الشريف، وعلى الرغم من تقدمه في السن، لما تبيّن له أن قسماً مهماً من النسخ القديمة والمصادر النادرة العائدة إلى القرون الإسلامية الأولى لا يوجد في مكتبات إيران والعراق، توجّه في ٢٤ شعبان سنة ١٣٨٠هـ إلى شبه القارة الهندية.
وقد كانت رحلة استمرت أربعة أشهر وحملت، بحسب تعبير ابنه الشيخ رضا الأميني والأستاذ محمد رضا حكيمي، حصيلة مدهشة؛ إذ كتب واستنسخ العلامة الأميني بخط يده وحده ما يقارب ٢٥٠٠ صفحة من المخطوطات الفريدة.
الوصول إلى لكهنو واستقبال أحفاد مير حامد حسين
حظي وصول العلامة الأميني إلى لكهنو ـ العاصمة العلمية والتاريخية للشيعة في شمال شبه القارة الهندية ـ باستقبال واسع من العلماء وأهل العلم. وكان لقاؤه ومؤانسته لأسرة صاحب *عبقات* من المحطات المضيئة في هذه الرحلة.
ويكتب الشيخ رضا الأميني في ذكرياته:
*«كان العلامة الجليل السيد محمد سعيد العبقاتي ـ ابن العالم الشهير السيد ناصر حسين وحفيد العلامة مير حامد حسين قدّس سرّه ـ لا يفارقنا صباحاً ومساءً، ولن ننسى أبداً ما رأيناه فيه وفي أخيه العالم الشريف المعظم السيد نصير الملّة من الفضائل؛ فإن نصيبهما الوافر من تراث جدّهما وما حظيا به من الفضائل أمر لا يمكن أن يُنسى.»*
في رحاب كنوز الناصرية؛ دهشة مؤلف «الغدير»
ترك حضور العلامة الأميني في «المكتبة الناصرية» في لكهنو أثراً عميقاً فيه. وكانت هذه المكتبة كنزاً يضم ثلاثين ألف مجلد، منها أكثر من خمسة آلاف مخطوطة نادرة، وقد تكوّنت بجهود وتضحيات ثلاثة أجيال من أعلام الدفاع عن الولاية: العلامة المفتي السيد محمد قلي، والعلامة مير حامد حسين، وآية الله السيد ناصر حسين.
وفي ٢٤ ذي القعدة سنة ١٣٨٠هـ دوّن العلامة الأميني في سجل ذكريات المكتبة كلمة تاريخية خالدة تعكس عظمة تراث «عبقات» المبهرة:
*«كانت المكتبة العامرة الناصرية، منذ أن تعرّفت على آثار مؤسسيها ـ أبطال العلم، وحجج المناظرة، والأعلام الواضحة للمذهب، من أمثال تشييد المطاعن، وعبقات الأنوار، واستقصاء الإفحام ـ تحتل في ذهني مكانة عظيمة جليلة…*
*ولقد رأيت طوال حياتي مكتبات كثيرة زاخرة في بلاد الشرق والعالم الإسلامي، غير أنني لم أر مكتبة كهذه المكتبة، تجمع هذا القدر من نفائس الآثار ونوادر الكتب، وتضم التراث العلمي في مختلف العلوم والفنون.*
*ولعمري! لو كان بعض هذه الآثار في إحدى مكتبات الغرب، لملأ العالمَ الترويجُ لها والفخرُ بها وتعظيمُها، ولتزيّنت صفحات الصحف والمجلات في العالم باسمها، ولدوّى صداها في وسائل الإعلام العالمية؛ ولكن يا للأسف، بقيت هذه الثروة الهائلة مهجورة بين أمة لا تعيرها ما تستحق من اهتمام…»*
حصيلة المكتبة الناصرية للمجلدات اللاحقة من «الغدير»
قضى صاحب *الغدير* معظم ساعات الليل والنهار خلال إقامته في لكهنو في البحث والاستنساخ داخل المكتبة الناصرية. واستنسخ بخط يده أعمالاً ظلت لقرون بعيدة عن متناول علماء الشيعة في العراق وإيران، لتكون وثائق معتمدة للمجلد الثاني عشر وما بعده من *الغدير*، ولتُحفظ في مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الأشرف:
– كتاب *المناقب* للفقيه ابن المغازلي الشافعي (ت ٤٨٣هـ): نسخة نفيسة مؤرخة بسنة ١٠٣٧هـ، ومستندة إلى نسخة من القرن السادس الهجري؛ ورغم أن هذا الكتاب ظل نحو تسعمائة سنة بعيداً عن الحوزات العلمية الشيعية، استنسخ العلامة الكتاب بأكمله بنفسه.
– كتاب *مفتاح النجا في مناقب آل العبا*، تأليف ميرزا محمد بن رستم البدخشي (أُلّف سنة ١١٢٣هـ): أثر نفيس يقع في ٣٢٠ صفحة، نسخه العلامة الأميني بخط يده.
– كتاب *الصراط السوي في مناقب آل النبي*، تأليف السيد محمود الشيخاني القادري (القرن العاشر): يقع في ٤٩٤ صفحة، كتب العلامة الأميني نحو ٤٠٠ صفحة منها مباشرةً بخط يده.
– كتاب *ذخيرة المآل في شرح جواهر العقدين*، تأليف أحمد بن عبد القادر حفظي الشافعي: نسخة نفيسة في ٤٠٦ صفحات، ومؤلفها من شعراء الغدير في القرن الثاني عشر، وقد نقلها العلامة الأميني إلى مكتبة النجف.
الصلة بين قمتين في دراسات الإمامة
تمثل رحلة العلامة الأميني إلى الهند وثيقة تاريخية قاطعة على الصلة العميقة بين المسار البحثي لـ*عبقات الأنوار* في الهند و*الغدير* في النجف الأشرف. وهي تكشف كيف أصبحت جهود Allamah Mir Hamed Hussain Lakhnawi في تأسيس المكتبة الناصرية وجمع مصادر أهل السنة، بعد عقود، مادة علمية لأكبر موسوعة كلامية في القرن الرابع عشر الهجري، أي *الغدير*.
واليوم، يواصل المؤتمر الدولي للعلامة مير حامد حسين رحمه الله، انطلاقاً من رسالته في استعادة هذا التراث الأصيل، الهمَّ نفسه الذي صدح به صاحب *الغدير* في سجل ذكريات المكتبة الناصرية:
إنقاذ تراث الغدير المظلوم من غبار النسيان ووضعه في صميم الدراسات العلمية في العالم المعاصر.
صندوق تحميل الملف والوثائق المرتبطة:
عنوان الملف: رحلة العلامة الأميني إلى الهند؛ بقلم الحاج الشيخ رضا الأميني / ترجمة وإعداد الأستاذ محمد رضا حكيمي / إعداد علي أكبر صفري
بيانات النشر: الدورية التخصصية نصف السنوية «كتاب شيعه»، السنة العاشرة، العددان ١٩ و٢٠ (العدد الخاص بمير حامد حسين)، ص ١٤١–١٩٤.
لتحميل الملف، انقر هنا.





